Sunday, 25 June 2017
A+ R A-

فى أحكام النّـِكاح (٤): حُسْنُ مُعامَلةِ النساء

الحمدُ لله خالقِ الإنسانِ من طينٍ وماءٍ* والصلاةُ والسلام على سيدِنا محمدٍ أفضلِ مخلوقات الأرض والسماء، القائلِ: خَيرُكُم خَيرُكُم لِلنّساءِ* وعلى ءاله وصحبه ومن أَنَابَ إلى ربّـِه وَفَاءَ* أما بعدُ، عبادَ الله اتقوا اللهَ. قال اللهُ تعالى: ﴿ يَـأَيُّـهَا النـَّاسُ اتـَّقُوا رَبَّـكُمُ الـَّذِى خَلـَقَـكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلـَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتـَّقُوا اللهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِـهِ وَالأَرْحَامَ إنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ (النساء، ١).

عن أُمّ المؤمنين عائشةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنها قالت: سمعتُ النبىَّ ﷺ يقول: "إنَّ المؤمنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ القَائِمِ". رَوَاهُ أبو داود.[1] ومعلوم أن كُلًّا من الصائم فى النهار والقائم فى الليل فى طاعة الله يجاهد نفسه. وأما من يُحَسّـِنُ خُلُقَه مع الناس مع تبايُن طبائعهم وأخلاقهم فكأنه يجاهد نفوسًا كثيرة، فأدرَكَ ما أدركه الصائمُ (نهارًا) القائمُ (ليلًا) فاستويا فى الدرجة. فصاحب الخُلُقِ الحَسَن درجتُه كدرجة الإنسان الذى يصوم صيامًا متتابعًا ويقوم الليل. فالذى يسامح الناسَ الذين أساءوا إليه وهو لا يؤذى غيرَه ويصبر على أذَى غيرِه ويُحسن إلى الناس ويتواضع لهم هذا يساوى الرجلَ الذى يصلّـِى نصفَ الليل مثلا يتهجد بالليل ويصوم كثيرًا ستة أشهر أو ثمانيةَ أشهر فوق الفرض. هذا بحُسْن خُلُقه درجتُه عند الله مثلُ ذاك.

وعنْ أبِى هُرَيْرَةَ رضىَ الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ: "أَكْمَلُ الْمُؤْمِنينَ إيمَانًا أَحْسَنُهمْ خُلُقًا. وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لنِسَائِهِمْ خُلُقًا." رواه الترمذىّ وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. فالرسول ﷺ بيَّن أن الذى يُحْسِنُ معاملةَ زوجته بالعَطف والرحمة والإحسان وبَشَاشة الوجه والعَفو إذا هى أساءت هو أفضل أو من أفضل المؤمنين. وهذا لأنه إن كان هكذا مع زوجته يكون مع الغير هكذا، أى يكون حسَنَ الخُلُق. ولو كان عقلُ الزوجة ضعيفًا فليُدارِها. فالمداراة[2] من أخلاق المؤمنين، وهى خفض الجناح للناس ولينُ الكلمة وتركُ الإغلاظ لهم فى القول. وذلك من أقوى أسباب الأُلفة. يعاملها بالمداراة والحكمة. الطفل عقله ضعيف فكيف يُعامَل؟ يُعامَل بالرحمة والحكمة والشفَقَة والمداراة.

ثم إنَّ قُدوَتنا وأسوتَنا سيدَنا محمدًا ﷺ قال فى حديث أخرجه ابن ماجَهْ مرفوعًا عن ابن عباس: "خيرُكم خيرُكم لأهله. وأنا خيرُكم لأهلى".[3] معناه من كانت معاملتُه للنساء منكم معاملةً حسنة فهو أفضلُ المسلمين. وأنا أحسَنُ مُعامَلةً للنساء لأزواجى منكم، أى أنا أفضلكم فى معاملة النساء. فالرسول ﷺ مِن حُسْن خُلُقه بعد أن يبيت فى بيت إحداهن لأجل الدَّور والقَسْم ثم يخرج صباحًا، يدور على كلٍّ. يقف على باب زوجته هذه ويقول السلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاتُه أهلَ البيت. يأتى على باب هذه فيسلّم عليها، ويأتى على باب هذه فيسلّم عليها، وهكذا يدورُ عليهن فى غير دَور صاحبة الدَّور. لا ينتظر حتى يأتين هُنَّ فيُسَلّـِمْنَ عليه. انظروا هذه المعاملة! أىُّ سرورٍ يَدخل عليها زوجتُه هذه التى يسلّم عليها. هذا حُسن معاملة النساء.

التواضع مطلوب. النفسُ تحب الترفُّعَ إلا مَن خالَفَها لوجه الله. الذى يخالف نفسَه يكون متواضعا مع عباد الله. فينبغى للرجل أن يتواضع مع زوجته فلا يعتبر نفسَه مترفّعا عليها. ويعفو عن سيئاتها فلا يقابل إساءَتَها بالإساءة. فمن كان هكذا فهو أفضلُ المسلمين. وأما من كان لا يعامل النساءَ بهذه المعاملة فليس من أهل الطبقة العليا. وأكثرُ الأزواج يترفعون على زوجاتهم. هذا خلاف الشرع والله لا يحبه. الرجل إذا كان فى البيت خدَم نفسَه وخدَم زوجتَه بدل أن ينتظرَ خِدمتَها. هذا عند الله أفضل. الرسول ﷺ كان يَحلِب شاتَه بيده فى البيت بدَلَ أن يقول لإحدى زوجاته احلبى أنتِ. كان يتولَّى خدمةَ البيت بنفسِه. هذا هو التواضع.

من لا يعامل نساءه فى الدنيا بالظلم وهى أطاعته ولم تقصّـِر فى حقه، يوم القيامة لا يَنفُِرُ هو منها ولا تَنفُِرُ هى منه. أما إن كانا يتعاملان فى الدنيا بالظلم، يوم القيامة هو يَفِرُّ منها وهى تَفِرُّ منه خوفَ أن يطالبَ أحدُهما الآخَرَ بمظلمة. والأبُ والأمُّ هكذا، والابنُ والأمُّ كذلك.[4] أما إن كانوا فى الدنيا يتعاملون بالإحسان بلا ظلم، يشتاق بعضهم ليرَى الآخَر. فاتقوا اللهَ فى النساء. وهذا مِن ءاخرِ ما أوصَى به رسولُ الله ﷺ.

أقول قولىَ هذا وأستغفر اللهَ لى ولكم.

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. وبعدُ، أوصيكم ونفسىَ بتقوى الله.

قال رسولُ الله ﷺ: "أَعظَمُ الناس حَقًّا على المرأة زوجُها وأَعظَمُ الناس حَقًّا على الرَّجل أمُّه". وهذا يكون موضوع كلامنا فى خطبة قادمة مع مزيد من أحكام النكاح إن شاء الله. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات.

 



[1] ورواه ابن حبان فى صحيحه والحاكم وقال صحيح على شرطهما ولفظه: "إن المؤمنَ لَيُدْرِكُ بحُسْن الخلق درَجاتِ قائم الليل وصائمِ النهار".

[2] قال فى فتح البارى: وظن بعضُهم أن المداراةَ هى المداهنة فغلِط، لأن المدارة مندوبٌ إليها والمداهنَةُ محرَّمة. والفرق أن المداهنةَ من الدّهان وهو الذى يَظهَر على الشىء ويستُر باطنَه. وفسَّرها العلماء بأنه معاشرةُ الفاسق وإظهارُ الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه. والمداراة هى الرفقُ بالجاهل فى التعليم وبالفاسق فى النهىِ عن فعله، وتركُ الإغلاظ عليه حيث لا يظهر ما هو فيه، والإنكارُ عليه بلطف القول والفعل، ولا سيما إذا احتيج إلى تألُّفه ونحوِ ذلك. وفى موضع ءاخر: ثم قال تبعا لعياض: والفرق بين المداراة والمداهنة أن المداراةَ بَذْلُ الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معا، وهى مباحة، وربما استُحِبَّت. والمداهنةُ ترْكُ الدين لصلاح الدنيا.

[3] فى فتح البارى: ويمكن أن يقال: إن لفظة "مِن" مرادةٌ كما يقال: فلان أعقلُ الناس، والمراد مِن أعقلِهم. ومنه حديث: "خيرُكم خيرُكم لأهله". ومن المعلوم أنه لا يصير بذلك خيرَ الناس.

[4]  الآية: ﴿ يومَ يَفِرُّ المَرءُ مِن أخيه* وأمّـِه وأبيه* وصاحِبَتِه وَبَنيه* ﴾ (عبس، ٣٤-٣٦).

Share this post

Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

Site Disclaimers

Donate to AICP

Support AICP of North America. Please consider supporting our efforts. AICP is charged a minimal fee for your donation. Fee Structure for donations are: $0 to $100K is 2.2% plus $0.30 per transaction.

Amount:


Search

Listen to the Qur'an

Please update your Flash Player to view content.


Amazon donates 0.5% of the price of your eligible AmazonSmile purchases to AICP

كيف يدخل غير المسلم في الإسلام

يَدخل غيرُ المسلم في الإسلام بالإيمان بمعنى الشهادتين وقولِهِما سامعًا نفسَه بأيّ لغةٍ يُحسنها.

وإن أراد قولَهما بالعربية فهما:

أَشْهَدُ أَنْ لا إلَـهَ إلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله

وَهَذا هو التسجيل الصوتي للشهادتين اضغط