Friday, 15 December 2017
A+ R A-

حديث "ما الفقرَ أخْشَى عليكُمْ ولكنِّي أخشى أن تُبْسَطَ الدّنْيا عليكُمْ"

 إنّ الحمدَ للهِ نَحمَدُهُ ونستعينُهُ ونستهديهِ ونشكرُهُ ونستغفرُهُ ونتوبُ إليهِ ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنا وسيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ لَهُ، وأشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ ولا مثيلَ لهُ ولا ضِدَّ ولا نِدَّ لهُ ولا شكلَ ولا صورةَ ولا أعضاءَ لهُ ولا جوارحَ ولا جسمَ ولا حَيِّزَ ولا مكانَ لهُ ، جلَّ ربِّي لا يُشبِهُ شيئًا ولا يُشبِهُهُ شىءٌ ولا يحلُّ في شىءٍ ولا ينْحَلُّ منهُ شىءٌ، ليس كمثلِهِ شىءٌ وهوَ السميعُ البصيرُ، وأشهدُ أنّ سيّدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وقُرّةَ أعيُنِنا محمّدًا عبدُهُ ورسولُهُ وصفِيُّهُ وحبيبُهُ، بلَّغَ الرسالةَ وأدّى الأمانةَ ونصَحَ الأمّةَ فجزاهُ اللهُ عنّا خيرَ ما جزَى نبيًّا من أنبيائهِ، اللهمَّ صَلِّ على سيِّدِنا محمّدٍ صلاةً تَقضي بها حاجاتِنا، اللهمّ صلِّ على سيِّدِنا محمّدٍ صلاةً تُفرِّجُ بها كُرُباتِنا، اللهمَّ صلِّ على سيِّدِنا محمّدٍ صلاةً تَكْفِينَا بِهَا شَرَّ أَعْدَائِنا وَسَلِّمْ عليهِ وعلى ءالِهِ وصحبِهِ الطيّبينَ سلامًا كثيرًا.

أمّا بعدُ عبادَ اللهِ، فَإِنِّي أوصيكُمْ ونَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ العَلِيِّ القَدِيرِ القَائِلِ في مُحكمِ كتابِهِ: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ سورة ءال عمران / 14ـ15.

وصَدَقَ الحبِيبُ الْمَحْبوبُ في قولِهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ: "نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ للرَّجُلِ الصَّالِحِ" أوْرَدَهُ الْهَيْتَمِيُّ في زوائِدِ ابنِ حِبّانَ.

أيْ أنَّ المَالَ الحَلالَ الذِي يَصْرِفُهُ الرَّجُلُ المسلمُ على الوجْهِ الذِي يَرْضَاهُ اللهُ تَبَارَكَ وتَعالَى وَيُؤَدِّي حَقَّ اللهِ تعالَى هوَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ اللهِ على عبدِهِ المؤمنِ، وَقَدْ وَرَدَ عنْ عَمْرٍو بْنِ عَوْفٍ الأنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مَا مَعْنَاهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ بعَثَ أبا عُبَيْدَةَ بنَ الجرَّاحِ رضيَ اللهُ عنهُ إلى بِلادٍ لِيَجْلِبَ منها المالَ فلمَّا قَدِمَ وسَمِعَتِ الأَنْصَارُ بقُدومِهِ وافَوْا صلاةَ الفَجْرِ معَ رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ، فَلمَّا صلّى رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ انصَرَفَ وَقَفُوا أَمَامَهُ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ حينَ رءاهُمْ ثُمَّ قالَ: "أظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ أنّ أبا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بشىءٍ مِنَ البحرينِ؟ فقالُوا: أَجَلْ يا رَسُولَ اللهِ، فقالَ: أَبْشِرُوا وَأَمِّلوا ما يَسُرُّكُمْ (أيْ لِيَكُنْ لكُمْ أملٌ في هذا أيْ رجاءٌ). قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: "فوَاللهِ مَا الفَقْرَ أَخْشَى عليكُمْ ولكنِّي أَخْشَى أن تُبْسَطَ الدُّنْيا عليكُمْ كما بُسِطَتْ على مَنْ كَانَ قبلَكُم فَتَنافَسُوها كَما تَنافَسُوها فتُهْلِكَكُمْ كما أهلَكَتْهُم" متّفَقُ عَليهِ.

أيُّ فَصاحَةٍ وَأَيُّ بَلاغةٍ وَأَيُّ حِكَمٍ هذهِ التِي نَطَقَ بِها مُحَمّدٌ، فَواللهِ قدْ صَدَقَ محمّدٌ، وَوَاللهِ قدْ صَدَقَ مَنْ قالَ عنْ محمّدٍ: "إنْ سَكَتَ عَلاهُ الوَقارُ وإنْ نَطَقَ أخَذَ بِالقُلُوبِ وَالبَصَائِرِ والأَبْصَارِ".

قالَ: "فَوَاللهِ مَا الفَقْرَ أَخْشَى عليكُمْ ولكنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ الدّنْيا عليكُمْ كما بُسِطَتْ على مَنْ كانَ قبلَكُم فَتَنافَسُوها كَما تَنافَسُوها فتُهْلِكَكُمْ كما أهلَكَتْهُم".

فرَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ يَخَافُ على أُمَّتِهِ مِنْ حُصُولِ الفِتْنَةِ بَيْنَهُمْ بِسَبَبِ كَثْرَةِ المالِ فَيَتَنَافَسُوا فِي هذهِ الدنيا، وما كانَ يخشَى على أمَّتِهِ أن يَجْتَاحَهُمُ الفَقْرُ في المستقبلِ.

وقد استَعَاذَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّمَ مِنْ فتنةِ الفَقْرِ ومِنْ فِتْنَةِ الغِنَى، فَقَالَ صَلَواتُ رَبِّي وَسَلامُهُ عليهِ: "وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الفَقْرِ ومنْ فتنَةِ الغِنى".

فَالفَقْرُ منهُ ما هُوَ مُفْسِدٌ لِصَاحبِهِ، والغِنَى منهُ ما هوَ مُفسِدٌ لصاحبِهِ. وَمِنَ الغِنَى مَا هُوَ مُصْلِحٌ لِصَاحبِهِ لكنَّ أكثرَ الأغنياءِ تَسُوءُ حَالتُهُمْ وَبَعْضُهُمْ يتكبَّرُونَ على النّاسِ وينْطلِقُونَ في الحَرامِ ويَفسُدونَ، وبَعْضُهُمْ يعمَلُونَ الخيراتِ لأَهْلِهِمْ وَلِغَيْرِهِمْ. وَبَعْضُ الناسِ إذا أصابَهُمُ الفَقْرُ قدْ يَسْرِقونَ والعياذُ باللهِ، وبَعْضُ الناسِ يَصْبِرونَ على الفَقْرِ ولا يَعصُونَ اللهَ، فهَؤُلاءِ فقرُهُمْ يُصلِحُهُمْ وَيَنْفَعُهُمْ. وَلْيُعْلَمْ أَنَّ الأنبياءَ والأولِيَاءَ أكثرُهُمْ فُقَراءُ، وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلّمَ يقولُ: "يَدْخُلُ فُقَرَاءُ المُهَاجِرينَ الجنَّةَ قَبْلَ الأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِمائةِ عامٍ".

فيا أخِي المؤمنُ إنْ كُنْتَ مِنَ الفُقَـرَاءِ فَلا تَعْتَرِضْ علَى اللهِ ولا تلجَأْ إلى الحرامِ واقْتَدِ بالفقراءِ منَ الصحابَةِ الكرامِ وبالفقراءِ منَ التابعينَ الكرامِ، اقتدِ بأبِي هُريْرَةَ الذي كانَ يُغْمَى عليهِ منْ شِدَّةِ ألَمِ الجـوعِ ومَعَ ذلكَ لازَمَ مجلِسَ رسـولِ اللهِ، فكانَ أكثرَ الصحابةِ رِوَايةً عنْ رسولِ اللهِ، اقتَدِ بِخَيْرِ التابعينَ أُوَيْسِ بنِ عامرٍ القَرَنِيِّ الذي شهِدَ لهُ رسولُ اللهِ منْ طريقِ الوحيِ لأنّهُ مِنْ شدّةِ الفَقْرِ لَمْ يُسافِرْ ليلتَقي برسولِ اللهِ، كانَ في اليمَنِ ورسولُ اللهِ في المدينةِ، فمِنْ شِدَّةِ فَقْرِهِ لَمْ يُسَافِرْ إلى المدينةِ، فرسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّمَ شهِدَ لهُ منْ طريقِ الوَحيِ فقال: "إنّ خيرَ التابعينَ رجلٌ يُقالُ لهُ أُوَيْسُ بنُ عَامِرٍ مِنْ مُرادٍ ثُمّ منْ قَرَنٍ".

ثُمّ تذكّرْ يا أخي المؤمنُ أنّ مَنْ أعطِيَ الدّنيا ولَمْ يُعطَ الإيمانَ فكأنّمـا ما أُعْطِيَ شيئًا، وَمَنْ أُعْطِيَ الإيمانَ ولَمْ يُعطَ الدّنيا فكأنّما ما مُنِعَ شيئًا، وإنْ كنتَ مِمّنْ أنعَمَ اللهُ عليهِ، إنْ كُنتَ مِنَ الأغنياءِ فليكُنْ قُدْوَتَكَ الأغنياءُ مِنَ الصحابةِ الكرامِ كأفضلِ الصحابةِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ رضيَ اللهُ عنهُ الذي أنْفَقَ الكثيرَ الكثيرَ مِنْ أموالِهِ في مرضاةِ اللهِ حتّى إنّهُ أتى عليهِ يومٌ دعا فيهِ رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّمَ إلى بَذْلِ المالِ في مصالِحِ المسلمينَ فأنفَقَ سيِّدُنا أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ جميعَ ما عنْدِهِ.

أخي المسلمَ ، الدّنيا ساعةٌ فاجعلْها طاعةً وتذكّرْ أنّكَ كراكِبٍ استظلّ تَحْتَ ظِلِّ شَجَرةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَها وأنَّ المالَ الممْدوحَ مُبارَكٌ فيهِ وَلَنِعْمَ المالُ هوَ، وأنَّ المالَ المذْمُومَ غَيْرُ مُبارَكٍ فِيهِ ولَبِئْسَ المالُ هوَ، فَاحْرِصْ على جَمْعِ المالِ مِنْ طريقِ الحلالِ وَصَرْفِهِ في الحلالِ، وإِيَّاكَ ثُمّ إيّاكَ أنْ تَغُرُّكَ الدّنيا ويُوَسْوِسَ لكَ الشيطانُ ويُزيِّنَ لكَ الحرامَ.

اللهمّ ارزُقْنا مالاً حلالاً طيِّبًا مباركًا فيه وبارِكْ لنا في حَلالٍ وَلَوْ كانَ قَليلاً واصرِفْ عنّا الحرامَ الكثيرَ عنّا يا قادرُ يا كريمُ. هذا وأستَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُم

الخُطبةُ الثانيةُ

الحمدُ للهِ نحمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونستهْدِيهِ ونشكُرُه ونعوذُ بِاللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنا وسيّئاتِ أعْمَالِنا مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لهُ ومَنْ يُضْلِلْ فلا هادِي لهُ والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ. عبادَ اللهِ أُوصِيْ نفسِيَ وإيّاكمْ بتقْوَى اللهِ العَليّ العظيمِ، واعلَموا أنَّ اللهَ أمرَكُمْ بأمْرٍ عظيمٍ أمرَكُمْ بالصلاةِ والسلامِ على نبيِّهِ الكريمِ فقالَ: ﴿إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلُّونَ على النبِيِ يَا أيُّهَا الذينَ ءامَنوا صَلُّوا عليهِ وسَلّموا تَسْليمً اللّـهُمَّ صَلّ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا صلّيتَ على سيّدَنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ وبارِكْ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا بارَكْتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ إنّكَ حميدٌ مجيدٌ، اللّـهُمَّ إنَّا دعَوْناكَ فاستجبْ لنا دعاءَنا فاغفرِ اللّـهُمَّ لنا ذنوبَنا وإسرافَنا في أمرِنا اللّـهُمَّ اغفِرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهُمْ والأمواتِ ربَّنا ءاتِنا في الدنيا حسَنةً وفي الآخِرَةِ حسنةً وقِنا عذابَ النارِ اللّـهُمَّ اجعلْنا هُداةً مُهتدينَ غيرَ ضالّينَ ولا مُضِلينَ اللّـهُمَّ استرْ عَوراتِنا وءامِنْ روعاتِنا واكفِنا مَا أَهمَّنا وَقِنا شَرَّ ما نتخوَّفُ. عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعَدْلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذِي القربى وينهى عَنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبَغي، يعظُكُمْ لعلَّكُمْ تذَكَّرون. اذكُروا اللهَ العظيمَ يذكرْكُمْ واشكُروهُ يزِدْكُمْ، واستغفروه يغفِرْ لكُمْ واتّقوهُ يجعلْ لكُمْ مِنْ أمرِكُمْ مخرَجًا، وَأَقِمِ الصلاةَ.

Share this post

Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

Site Disclaimers

Donate to AICP

Support AICP of North America. Please consider supporting our efforts. AICP is charged a minimal fee for your donation. Fee Structure for donations are: $0 to $100K is 2.2% plus $0.30 per transaction.

:

Search

Listen to the Qur'an

Please update your Flash Player to view content.


Amazon donates 0.5% of the price of your eligible AmazonSmile purchases to AICP

كيف يدخل غير المسلم في الإسلام

يَدخل غيرُ المسلم في الإسلام بالإيمان بمعنى الشهادتين وقولِهِما سامعًا نفسَه بأيّ لغةٍ يُحسنها.

وإن أراد قولَهما بالعربية فهما:

أَشْهَدُ أَنْ لا إلَـهَ إلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله

وَهَذا هو التسجيل الصوتي للشهادتين اضغط