Friday, 28 April 2017
A+ R A-

فى أحكام النّـِكاح (٣): وَليمَةُ العُرْسِ

الحمد لله ربّـِىَ المَعبود* وهو الغَفُورُ الوَدود[1]* والصلاةُ والسلامُ على محمَّدٍ القائلِ: تَزَوَّجوا الوَلُودَ الوَدودَ[2]* وعلى ءاله وصحبه الحافظين للحدود* وبعدُ عبادَ الله اتقوا اللهَ القائلَ فى سورة هود: ﴿ وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إلَيْهِ إنَّ رَبّـِى رَحِيمٌ وَدُودٌ ﴾ (هود ٩٠﴾.

واعلموا أن قراءةَ الفاتحة ليست شرطًا فى صحة العقد، بل شىء حسن فيه بركة. ولا يجب قراءةُ خُطبة النكاح لأنها ليست ركنا من أركان النكاح أو شرطًا من شروطه. لكن يُسَنُّ أن يقولَها الزوجُ أو الأبُ. وهذه الخُطبة هى: إنَّ الحمدَ لله نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شُرور أنفُسِنا وسيئات أعمالنا. من يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ له ومن يُضلِلْ فلا هادِىَ له. وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه. ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربَّكمُ الذى خلقَكم من نفسٍ واحدةٍ وخلقَ منها زوجَها وبثَّ منهما رجالًا كثيرًا ونساءً واتقوا اللهَ الذى تساءَلون به والأرحامَ إن اللهَ كان عليكُم رقيبًا ﴾ (النساء ١) (أى أدُّوا حقوقَ العباد ولا تقطعوها فاللهُ يعلم كلَّ ما تفعلون). ﴿ يا أيها الذين ءامنوا اتقوا اللهَ حقَّ تُقاتِه ولا تموتُنَّ إلا وأنتم مسلمُون ﴾ (ءال عمران ١٠٢). ﴿ يا أيها الذين ءامنوا اتقوا اللهَ وقولوا قولا سديدًا* يُصْلِحْ لكم أعمالَكم ويغفِرْ لكم ذنوبَكم ومَن يُطِعِ اللهَ ورسولَه فقد فازَ فَوزًا عظيما ﴾ (سديدًا أى صحيحًا صائبًا) (الأحزاب ٣٣). وهذا وارِدٌ فى أبى داود وغيرِه.

ويستحبُّ تهنئةُ الزوجين بقول: بارَكَ اللهُ لكما وعلَيكُما وجَمَع بينَكما فى خير. كما فى الترمذىّ.

والوليمةُ على العُرْسِ مستحبة، مشتقةٌ من الوَلْم وهو الجمع لأن الزوجين يجتمعان. وهى الطعام الذى يُتَّخَذُ للعُرس فيشمَلُ ذلك شرابَ البُنّ وعصيرَ الفاكهة ونحوَ ذلك. وهى سنةٌ مؤكَّدة لثُبُوتِها عن النبى ﷺ قولًا وفعلًا، فلم يتركْها عليه الصلاة والسلام فى سفر ولا فى حضر. وروَى البخارىُّ ومسلمٌ أنه عليه الصلاة والسلام لما أخبرَه الصَّحابىُّ عبدُ الرحمن بنُ عوف أنه تزوجَ قال له: "باركَ اللهُ لك. أَوْلِمْ ولو بشاة". ولا يشترط الشاة فى الوليمة. فالنبىُّ عليه الصلاة والسلام أولَمَ على صفيةَ بالتمر والسَّمن والأَقِط.[3] وعلى زوجة أخرى من زوجاته أولَمَ عليه الصلاة والسلام بمُدَّين من شعير.

ويدخُلُ وقتُها بالعقد، ثم لا تفوتُ بطول الوقت. والأفضلُ فعلُها بعد الدخول اقتداءً بالرسول عليه الصلاة والسلام. ويُسَنُّ كونُها ليلًا. ويُستحَبُّ أن تُطبَخَ بحلو، وأن لا يُكْسَرَ عظمُها. ويُستحبُّ هذان الأمران تفاؤلًا بحُسن أخلاق الزوجة وبسلامة أعضائها.

وأما الإجابةُ إليها فواجبةٌ عينًا لمن دُعِىَ إليها إلا لعذر، وهذا سواءٌ عُمِلَت الوليمة لأجل العقد أو بعد الدخول. وفى حديث البخارىّ ومسلمٍ أنَّ من لم يُجِبِ الدعوةَ فقد عصى اللهَ ورسولَه. وَلْيَحرِصِ المرء أن تكون دعوتُه الناسَ إلى الوليمة صريحَةً لئلا يحتارَ الناسُ فى القدومِ وعدمِه. فإذا حضَر لم يجبِ الأكلُ. وأقلُّ الأكلِ لُقمةٌ. فإن كان صائمًا، لا يُكْرَه له أن يقولَ إنّى صائم. فإن كان صيامُه صيامَ فرضٍ حَرُمَ عليه قطعُه بالأكل. وإن كان صيامَ نفل نُظِرَ. فإن كان يَشُقُّ على الداعِى إن لم يأكلْ فالأحسنُ له أن يُفْطِرَ وإلا فالإتمامُ أفضلُ.

وإذا أَوْلَمَ عدةَ مرات فى اليوم أو عدةَ أيام تجبُ الإجابةُ فى المرة الأولى. وإذا كان وَزَّعَ المَدعوّين على الأيام لأنه لا يسعُ المكانُ الكلَّ مرةً واحدة فعند ذلك يُجيب فى وقت دعوتِه. وإذا دُعِىَ إلى وليمتَين فى نفس الوقت يلبّـِى الأسبقَ ويعتذر للآخَِر.

وإنما تجبُ إجابةُ الدعوة لوليمة العرس بشروط منها: أن لا يَخُصَّ الداعى بالدعوة الأغنياءَ لأجل غناهم دون غيرهم. ومنها أن لا يكون أكثرُ مالِ الداعى حراما. أما لو تيقن أن الطعام من حرام لا يذهب قطعًا. فإن كان للمدعو عذر لم يجب عليه الحضور، كالمرض الذى يُسقط عنه وجوبَ الجمعة ونحوِ ذلك. ومن الأعذار أن يكون فى موضع الدعوة منكرٌ لا يزول بحضوره. مثالُ ذلك أن يُدارَ الخمرُ على المائدة. أما إن كان يعلَمُ أن المنكرَ يزولُ بحضوره فيجب عليه الحضورُ. وإن اعتذَر المدعوُّ فقبِلَ الداعِى عذرَه فلا يعود واجبًا عليه الحضور. ومنها أن يكون الداعى مسلمًا والمدعُوُّ مسلمًا. فإذا حضر لم يتصرف فى الطعام بغير الأكل، فلا يُعطِى منه سائلًا مثلًا إلا بإذن صاحب الدعوة أو أن يعلَمَ رضاه. فلا يُطعِم الهرةَ مثلًا بغير رضاه. فإذا رَفَعَ الضيفُ يدَه عن الطعام، كَرَّرَ عليه صاحبُ الدعوةِ الدعوةَ للأكل إلا أن تَحَقَّقَ أنه اكتفى. ويُسَنُّ للضيف أن يدعوَ لأهل المنـزل. أقول قولِىَ هذا وأَستغفِرُ اللهَ لى ولكم.

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى ءاله وصحبه ومن والاه. وبعدُ عباد الله اتقوا اللهَ.

ثم اعلموا أنه يُسنُّ لمن تزوَّج أن يقولَ ما ورد فى أبى داود: "اللهم إنى أسألك خيرَها، وخيرَ ما جَبلْتها عليه. وأعوذ بكَ من شرّها، وشرّ ما جبلتَها عليه". وفى روايةٍ: "ثمَّ لْيأخذْ بناصيتها، ولْيدعُ بالبَرَكة". ويُسنُّ أَيضَا لِمن أتى أهلَه أى قبل الجماع أن يقول ما راوه مسلم وغيرُه: "بِسْمِ اللّهِ. اللّهُمَّ جَنّـِبْنَا الشَّيْطَانَ. وَجَنّـِبِ الشّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا".

وسنذكر إن شاء الله مزيدًا من أحكام النكاح فى خطبتنا القادمة. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات.

 

خطبة الجمعة فيلادلفيا  ١٢ شوَّال ١٤٣٥هـ - ٨ ءاب ٢٠١٤ر



[1] الذى يوَدُّ عبادَه المؤمنين ويَوَدُّه عبادُه المؤمنون. ومحبةُ اللهِ لعباده إرادتُه رحمتَهم ومدْحَهم. فيرجع معناه إلى الإرادة والكلام.

[2] رواه أحمد وابن حبَّان.

[3] الأقِطُ والأقْطُ مثلثة الألف. شىء يتخذ من اللبن المَخِيض يطبخ ثم يترك حتى يَمْصُل. وهو من أَلبان الإِبل خاصّة. لسان العرب

Share this post

Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

Site Disclaimers

Donate to AICP

Support AICP of North America. Please consider supporting our efforts. AICP is charged a minimal fee for your donation. Fee Structure for donations are: $0 to $100K is 2.2% plus $0.30 per transaction.

Amount:


Search

Listen to the Qur'an

Please update your Flash Player to view content.


Amazon donates 0.5% of the price of your eligible AmazonSmile purchases to AICP

كيف يدخل غير المسلم في الإسلام

يَدخل غيرُ المسلم في الإسلام بالإيمان بمعنى الشهادتين وقولِهِما سامعًا نفسَه بأيّ لغةٍ يُحسنها.

وإن أراد قولَهما بالعربية فهما:

أَشْهَدُ أَنْ لا إلَـهَ إلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله

وَهَذا هو التسجيل الصوتي للشهادتين اضغط