Monday, 18 December 2017
A+ R A-

فى أحكام النّـِكاح (٥): تَعَلُّمُ واجباتِ الزَّوجَين

 

الـحمـدُ للإلـَهِ ذِى الجَـلال

 

وشــــارِعِ الــحَـَـرام والــحَــلالِ

ثـُمَّ صَـلاةُ اللهِ مَـعْ سَـلامِى

 

علَى النَّبىّ المُصطَفَى التّـِهَامِى

مُحَمَّدِ الهادِى مِنَ الضَّلالِ

 

وَأَفـضَـلِ الصَّـحْـب وَخَـيْـرِ ءالِ

وبعدُ عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ القائلَ فى كتابه العزيز: ﴿ يَـأَيُّـهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ (التحريم ٦)

ثُمَّ إنَّ تعلُّمَ واجبات الزوجين من المهمات لأن الزوجَ والزوجةَ اللَّذَين لا يعرفان هذه الأمورَ قد يختلفان كثيرًا من غير أن يعرفا الميزانَ الصحيح لِيَزِنَا به الأمورَ. فإذا كان الزوجان قد تعلَّما أحكامَ الشرع وكِلاهما يريد أن يطبّقَ ذلك، عند ذلك يكون بينهما التعاونُ على الطاعة، والتوافقُ على مقتضى شرع الله، وحُسنُ العِشرة بينهما، والتعاونُ على مواجهة صعوبات الحياة. كيف لا وكلٌّ منهما ينظر إلى الآخر على أنه مسلمٌ له عليه حقوق، على أنه مسلم حرمتُه عند الله أعظمُ من حرمة الكعبة. عند ذلك يَحرِص كلٌّ على معاملة الآخَرِ المعاملةَ المناسِبة. ولا يختلف مثلُ هذين الزوجين على كثير من الأمور التى يختلف عليها الزوجان اللذان لم يتعلما أمرَ الدين. لا تزعجُه زوجته بكثرة طلب اللباس المختلف، أو سيارةٍ، أو أن يُكثر من أخذها فى نزُهات ونحوِها. والزوج لن يقصّـِرَ فى إنفاق النفقة الواجبة عليه لها. لا يتركها من غير تأمين مسكن لها ولا يتركها من غير تأمين الطعام المناسب لها على ما أمَر ربُّنا تبارك وتعالى. لا يواجه هذان الزوجان مشكلةً بالنسبة للمال. الزوج لا يعتبر مالَ زوجته كأنه مباحٌ له، فلا يأخذ من مالها شيئا إلا برضاها. كما أنها لا تأخذ من ماله شيئا إلا برضاه. ولا يختلفان بشأن تنظيف البيت أو تربية الأطفال أو إعداد الطعام أو نحوِ ذلك. حتى إذا حصل بينهما طلاقٌ لا يحصل بينهما ما يحصل بين الأزواج الجاهلين. لا يصل الأمر إلى رفع الدعاوَى وطلب حصةٍ من مال الغير بغير حق. ولا يختلفان فى حضانة الأطفال، بل يمشيان فى ذلك على ما أمره شرع الله.

إذا حصل من أحدهما خَلَلٌ فى أثناء الزواج تُجاهَ الآخَر لا يقابله الآخرُ بالمثل. مثالُ ذلك إذا نشَزَتِ الزوجة، صارت تُخشّـِن له الكلامَ وتَخرُج من بيته من غير إذنه، فهذا من كبائر الذنوب. وبذلك ما عاد لها على زوجها حقُّ النفقة حتى تتوبَ. فإذا حصل من الزوجة مثلُ ذلك لا يقابله الزوج بتصرُّف غير صحيح. بل يتصرَّف معها كما أمَر اللهُ. لا يشتِمها، ولا يُحقّرها، ولا يحقّر أهلَها المسلمين، ولا يواجهها بأىّ كلمة تؤذيها بغير حق. ولا يقلع لها عينا، ولا يضربها على وجهها، ولا يعطّل لها أُذُنًا، ولا يكسر لها يدًا ولا إصبَعًا ولا يقتلها. هذا هو التصرف السليم. بل الخطوة الأولى وَعظُها أى نُصْحُها بتقوَى الله وبتذكيرها أن له عليها حقوقا وأن عذابَ الله شديد ونحوِه. فإن لم تتَّعظْ يتَّبع تعاليمَ القرءان فى ذلك. ولنا كلامٌ عنه فيما بعد.

كذلك لو أن الزوجَ أساء معاملةَ زوجته كأن ضربَها بغير حق أو أهانَها بغير حق، إذا كانت ملتزمةً بأمور الشرع لا تعامله بالمِثل. فلا تكلمُه بكلام مؤذ بغير حق،[1] ولا تضربُه، ولا تستأجر من يضربه، ولا تقتله، ولا تفعلُ شيئا مثلَ ذلك. إنما تنصحه. فإذا لم يتقبَّل تستعين عليه بمن يتقبل منه النُّصحَ. قد يكون من أهلها أو من أهله أو من غيرِهما.[2] فإذا لم ينصلحِ الحالُ تشكوه إلى القاضِى. والقاضى يمنعه من إيذائها. ولا تمنعُه حقَّه عند ذلك بالاستمتاع بها مهما أساء معاملتَها، حتى لو زَنَى بامرأة أخرى. فالمرأة التى تعلمت أحكامَ الشرع تتصرف فى هذا الحال التصرفَ المناسب. لا تفضحُه بين الناس، ولا تحرّضُ أولادَه على كُرهه وبُغضِه، ولا تواجهُه بكلام مؤذ بغير حق. لا تُقفِلُ بابَ بيته فى وجهه، ولا تقول له لا تساكنّـِى فى بيتى، ولا تمنعُ نفسَها منه. إنما تنصحه وتستعين عليه بمن ينصحه إن كان لا يقبل منها. مثل هذا التصرف هو الذى يعمّـِقُ الارتباط بين الزوجين، ويزيد احترامَ كلّ منهما للآخر، لأن كلَّ واحد منهما يلاحظ أن الآخرَ يراقب حدودَ الشرع فى التعامل معه. يلاحظ أنه يَكسر نفسَه حتى يلتزمَ بحدود الشرع. فهذا يزيد الارتباطَ بينهما ويزيد العائلة قوة ويوفّر جوًّا للأولاد مناسبًا. وبالتالى يكون المجتمعُ كلُّه فى حالة أفضل. أقول قولِىَ هذا وأستغفر اللهَ لى ولكم. 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى ءاله وصحبه ومن والاه. وبعدُ عبادَ الله اتقوا اللهَ.

واعلموا أن الالتزامَ بشرع الله نورٌ. فالذى يلتزم بشرع الله يفوز فى الدنيا والآخرة. فى الدنيا يعلم أنه لا يُمضِى أوقاتَه فى المعاصى وأنه يهيّـِئُ لما بعد الموت. وفى الآخرة يرى النعيمَ المقيمَ الذى لا نهاية له. فينبغى على كل واحد منا أن يراعىَ شرعَ اللهَ فى كل تصرفاته، ولا يغترَّ ببعض الدعاوى الفارغة التى تناقض شرعَ الله. الناسُ الذين يضعون هذه القوانينَ الوضعيةَ لا يرجعون إلى أحكام الشريعة. هؤلاء تخيلوا حلولًا وعَلاقاتٍ بين الزوج والزوجة ووضعوا قوانينَ بزعمهم تُوافق ذلك، تؤمّن الحياةَ المستقرة. فماذا كانت النتيجة؟ انظروا حولكم تَرَوْنَها. إنَّ الحَسنَ ما حسَّنه شرعُ الله، والقبيحَ ما قبَّحه شرعُ الله. والفائز هو من التزَم بشرع الله فأطاع اللهَ واجتنب ما حرَّم اللهُ. هذا فى الآخرة يكون له نعيم ما رأته عين ولا سمعت به أذن ولا خطر على قلب بشر. وهذا هو الفوز. نسأل الله أن يجعلنا من هؤلاء.

ثم إنه يُسَنُّ للشخص إذا أراد أن يتزوج امرأةً أن ينظُرَ إليها إلى وَجهِها وإلى كفَّيها ظاهرِهما وباطنِهما ولو لم تأذن له. وذلك لحديث الترمذِىّ وغيرِه أن أحدَ الصحابة خَطَبَ امرأةً فقال له النبىُّ عليه الصلاة والسلام: "انظُرْ إليها. فإنه أَحْرَى أن يُؤْدَمَ بينكما". ويُستحَبُّ أن تكون الزوجةُ بِكرًا إلا لعذر. وأن تكون ديّنةً كما قال النبىّ عليه الصلاة والسلام: "تُنْكَحُ المرأةُ لأربع: لمالِها وجَمالِها وَحَسَبِها ودِينِها. فاظفَر بذاتِ الدين تَرِبَت يداك". أى ترِبَت (افتقرت) يداك إن لم تفعل ذلك. ويستحب أن تكون ولودًا -أى تلد- لحديث الإمام أحمدَ وابنِ حِبَّانَ: "تَـزَوَّجُوا الوَلُودَ الوَدودَ، فإنّـِى مكاثِرٌ بكمُ الأممَ يومَ القيامة"، وأن تكون ذاتَ نَسَبٍ طيّب أى أن لا تكون بنتَ فاسق أو بنتَ زنى إلاَّ أن قصد بذلك أن يُعِفَّها فيُستحبُّ عند ذلك نكاحُها، وأن تكون غيرَ ذاتِ قرابةٍ قريبة. وصوتُ المرأة ليس بعورة، فلا يَحْرُمُ سماعُه. النبىُّ عليه الصلاة والسلام مرَّ يومًا فى بعض طرق المدينة فسَمِعَ نِسوَةً يُنشِدْنَ ويَقُلْنَ:

 

نحنُ جَوارٍ مِن بَنِى النَّجَّارِ

 

يا حبَّذا محمدٌ من جارِ

فقال: "واللهِ إنّـِى لَأُحِبُّكُنَّ." رواه ابن ماجهْ وغيرُه. ولو كان صوتُ المرأة عورةً لأنكَرَ عليهنَّ.

وسنذكر إن شاء الله مزيدًا من أحكام النكاح فى خطبتنا القادمة. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات.  

خطبة الجمعة فيلادلفيا  ٢٦ شوَّال ١٤٣٥هـ - ٢٢ ءاب ٢٠١٤ر

 



[1] فى صحيح البخارىّ حديث: "تَصَدَّقْنَ فإنّـِى رأَيْتُكُنَّ أكثَرَ أهلِ النَّارِ. قيل: لِمَ؟ قال: يُكْثِرْنَ اللَّعْنَ ويَكْفُرْنَ العَشِيرَ. لَو أحْسَنْتَ إلى إحداهُنَّ الدَّهْرَ ثم رأتْ منكَ شيئًا قالتْ: وَاللهِ ما رأيتُ منكَ خَيرًا قَطُّ."

[2] ﴿ وإنْ خِفْتُم شِقاقَ بينِهما فابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أهْلِه وحَكَمًا من أهلها إنْ يُريدَا إصْلاحًا يُوَفّـِقِ اللهُ بَينَهُما إنَّ اللهَ كان عليمًا خَبيرًا* ﴾ (النساء ٣٥)

Share this post

Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

Site Disclaimers

Donate to AICP

Support AICP of North America. Please consider supporting our efforts. AICP is charged a minimal fee for your donation. Fee Structure for donations are: $0 to $100K is 2.2% plus $0.30 per transaction.

:

Search

Listen to the Qur'an

Please update your Flash Player to view content.


Amazon donates 0.5% of the price of your eligible AmazonSmile purchases to AICP

كيف يدخل غير المسلم في الإسلام

يَدخل غيرُ المسلم في الإسلام بالإيمان بمعنى الشهادتين وقولِهِما سامعًا نفسَه بأيّ لغةٍ يُحسنها.

وإن أراد قولَهما بالعربية فهما:

أَشْهَدُ أَنْ لا إلَـهَ إلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله

وَهَذا هو التسجيل الصوتي للشهادتين اضغط